هل يواجه حراك السويداء منعطفاً جديداً؟

منذ انطلاقة الحراك الشعبي السلمي في مدينة السويداء بتاريخ (20 آب 2023) لم يكن أحد من السوريين يجهل الأسباب التي تكبح سلطات الأسد عن ممارسة العنف المفرط تجاه جموع المتظاهرين، كما كانت تمارسها تلك السلطات ذاتها تجاه متظاهري عام 2011 من عموم السوريين، ولكن في الوقت ذاته لم يكن أحدٌ من السوريين أيضاً يعتقد بأن السلطات الأسدية سوف تترك هذا الحراك يمضي كما يريد دون أي تدخّل من جانب نظام الحكم.

وربما ذهب الكثيرون إلى أن استراتيجية احتواء حراك جبل العرب ستكون إحدى خيارات نظام الأسد، وذلك عبر تجاهل هذا الحراك موازاة مع إحكام الحصار عليه والحرص الشديد على عدم انتقاله إلى مدن وبلدات أخرى، وبالفعل فقد شدّدت السلطات مراقبتها بل وملاحقتها للعديد من الأصوات الاحتجاجية الفردية التي كانت تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مدن وبلدات الساحل السوري، ويعبر أصحابها عن تململ شديد من سوء الأحوال المعيشية إضافة إلى كونها تُضمر انتقاداً شديداً لسلطات النظام التي فشلت في تأمين الحدّ الأدنى للمستوى المعيشي للسوريين بمن فيهم حاضنة النظام والجماعات الموالية له.

ولم يكن خافياً أيضاً أن حاكم دمشق، ومن خلال استراتيجية الاحتواء، كان يراهن على التلاشي التدريجي للحراك، وما يعزز ثقته باستراتيجيته تلك هو غياب التأطير السياسي للحراك وكذلك عدم ارتباطه بأية جهة خارجية فضلاً عن عزلته الجغرافية التي تفرضها حالة تعدّد سلطات الأمر الواقع التي كرّسها تقاسم النفوذ الدولي. ثم جاءت عملية طوفان الأقصى في السابع من شهر تشرين الأول من العام الفائت لتكون عاملاً مساهماً في تجاهل حراك السويداء، ليس من جهة العالم الخارجي فحسب بل من جهة السوريين أنفسهم أيضاً، إذ إن اهتمام الأغلبية من السوريين بالعدوان الصهيوني على غزة – ولأسباب يصعب التفصيل فيها في هذا السياق – قد فاق اهتمامهم بقضيتهم السورية، الأمر الذي أتاح لسلطة دمشق هامشاً أكبر للمناورة والتفكير بالالتفاف على ما يجري في السويداء.

ولئن كان نظام الأسد هو الخصم الرئيس لانتفاضة السويداء، فإن ثمّة قوى عديدة لا يمكن النظر إليها سوى أنها خصوم، ولو أنها لا تظهر في الواجهة الأمامية ولكنها فاعلة في المشهد الميداني على الأقل، من هذه القوى ما هو محلّي المنشأ ولكن تغذّيه أطراف دولية وفي مقدمتها إيران وميليشياتها، أضف إلى ذلك حضور وكلاء إقليميين لكل من إسرائيل وتركيا، فضلاً عن خلايا حزب السلطة وعناصر المخابرات. ولعله من الصحيح أن تماسك الحراك السلمي وانضباطه التنظيمي والوعي السياسي المتقدم لجمهور المتظاهرين ومرجعياته الدينية، استطاع تحييد معظم المؤثرات الخارجية التي يمكن أن تحرف الحراك الشعبي عن مساره طيلة الفترة الماضية، إلّا أن هذا لا يعني عدم توقّع أي اختراق للمشهد الثوري السلمي وبوسائل مختلفة، وهذا بالفعل ما حدث يوم الأربعاء الماضي في السابع والعشرين من شباط، حين استهدفت السلطات الأمنية أحد المتظاهرين (جواد توفيق الباروكي) أمام صالة السابع من نيسان التي جعلها النظام (مقرّاً للتسويات)، ما أدى إلى استشهاده وإصابة متظاهر آخر، وذلك في خطوة ربما توقعها الكثيرون، كمسعى سلطوي لاستفزاز المتظاهرين، وبالتالي جرّ حركة التظاهر إلى إبداء ردّات فعل من شأنها أن تفضي إلى مواجهات مسلّحة بين الطرفين يستطيع نظام الأسد من خلالها إكمال سرديته الأولى نحو تجريد الحراك من طابعه السلمي والاستمرار في اتهامه بوجود قوى مسلّحة أو إرهابية، وهذا ما حاول الحراك التصدّي له وقطع الطريق أمامه، من خلال تأكيد مرجعيات الحراك الشعبي على سلمية التظاهر وضرورة عدم الانجرار إلى حيث يريد نظام الأسد، وكذلك من خلال التمسّك بالثوابت والمطالب الوطنية للانتفاضة وفقاً للشيخ حكمت الهجري.

وأيّاً كان الأمر، فإن حادثة مقتل أحد المتظاهرين في السويداء، وبعيداً عن تداعياتها الراهنة، فلا يمكن اعتبارها حدثاً طارئاً، بل ربما كانت منعطفاً جديداً أراده حاكم دمشق أن يكون تكراراً لنهجه السابق في مواجهة انتفاضة السوريين الأولى، وما يؤكّد هذا المنحى هو مجمل الاستهدافات العسكرية التي طالت بعض مقرّات السلطة الحزبية والأمنية بقذائف صاروخية، وذلك في الليلة التالية لاستشهاد جواد الباروكي، وفي ظل غياب أي جهة تتبنّى هذا الاستهداف العسكري فإنه من غير المستبعد أن تقوم سلطات دمشق بإعداد سيناريوهات جديدة تُبيّن من خلالها أن ثمة مجموعات مسلحة في مدينة السويداء، وتلك المجموعات هي من تقف وراء الحراك الشعبي، ولعل تركيز وسائل إعلام السلطة منذ أكثر من أسبوع حول انتشار وتغلغل تنظيم داعش في بادية السويداء يكاد يوحي باقتراب مواجهة افتراضية مع داعش في الأيام القريبة المقبلة، وهذه المواجهة – كما يخطط لها حاكم دمشق – يجب أن تفضي إلى ظهور جديد للإرهاب الداعشي الذي لن يستثني سكان السويداء، وربما تكون قوات الأسد هي المنقذ أيضاً، كما كان الأسد ذاته منقذاً بالأمس وفقاً لما يريد النظام وداعموه.

وبعيداً عمّا ستؤول إليه الأحداث الميدانية في السويداء، فإن ثمّة محدّدات لا بدّ من الوقوف عندها، لعل أبرزها: أن هذا الحراك الشعبي انبثق وسط حالة سورية عامة يشوبها الإحباط، نتيجة انسداد الآفاق السياسية وحرص قوى الأمر الواقع والجهات الداعمة لها على استثمار هذه الحالة الراهنة من مأساة السوريين، فجاءت انتفاضة السويداء كعامل إنعاش لحالة القنوط، وكعامل استنهاض جديد لمفهوم الثورة وتجليات فكرة الثورة، وذلك من خلال الشعارات والمطالب التي نادى بها متظاهرو السويداء، وإذا كان من الصحيح أن هذه الانتفاضة التي انطلقت من جنوبي البلاد لن يكون بمقدورها – وحدها – تحرير البلاد السورية، فإنها بلا أدنى ريب محاولة جادّة نحو تحريك المياه الراكدة – على حد قول أحد ثوار الحراك في السويداء – كما هي مسعى حقيقي نحو استعادة السوريين للمبادرة الوطنية وإعادة البوصلة الثورية إلى اتجاهها الصحيح، ولكن يبدو أن هذا المسعى لم يعد في مواجهة تحدّيات يمكن اختزالها بالخصم الجذري للسوريين، أعني نظام الأسد وحلفاءه الدوليين فحسب، بل ثمة تحديات أخرى لا يمكن تجاهلها، وتتمثل بمواقف العديد من القوى السياسية والكيانات العسكرية التي تتموضع على الجغرافيا السورية، وربّما تعدّ نفسها صاحبة الوصاية على ثورة السوريين.

وإذا كان نظام دمشق قد استطاع اختراق، ومن ثم إجهاض الانتفاضة الكبرى للسوريين عام 2011، فإن من يسعى لإجهاض الحركة الشعبية السلمية في السويداء اليوم ليس نظام الأسد فحسب، بل الكيانات الرسمية للمعارضة وفي مقدمتها الائتلاف ومشتقاته، ليس من خلال اصطفافه الميداني مع قوات الأسد، ولكن من خلال تجاهله لما يجري في السويداء وحرصه على اكتفائه بدوره الوظيفي الذي لم يتجاوزه.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا