المعارضة السورية وديناميات الفناء الذاتي: الأسباب ومقاربة المواجهة

لا شك أن مصطلح “المعارضة السورية”، من أكثر المصطلحات التي تستوجب تفكيكاً بحثياً وسياسياً، لا سيما فيما يرتبط بالتعريف الإجرائي، سواء من حيث اختبار قدرته على التعبير الحقيقي لكل ديناميات التفاعل لمجموع المعارضين بغض النظر عن تشكيلاتهم وتنظيماتهم، أو من حيث صحة إشارته لأجسام المعارضة “الرسمية” فقط، والتي أيضاً لا تبدو أجساماً منسجمة بنيوياً ولا حتى على مستوى الغايات الكلية والجزيئة.

ولاعترافي بصعوبة إنجاز تعريف منضبطٍ وقابل للتعيميم للمعارضة السورية، ومن منطلق المسؤولية السياسية لأي فرد أو جماعة او تيار أو ائتلاف أو حزب حيال استحقاقات المشهد السوري، فإن المدلول الذي سأتكئ عليه، سيشمل كل من اتخذ قرار العمل في سبيل تحقيق التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي واعتباره غاية أصيلة لكل تفاعلاته، سواء كان عملاً سياسياً أو عسكرياً أو مدنياً أو إدارياً.

زخرت حركية المعارضة خلال سنين الثورة وماتلاها من تحولات، بانخفاض مستمر لمعياري التفاعل والفاعلية، إلا أن هناك أسباباً ذاتياً وموضوعية ينبغي الوقوف عندها، فهي  تجعل هذه الأنماط تدخل صيرورة الانتفاء الذاتي والتهديد الحقيقي، بخروج كلي من ميدان الأثر السياسي، وستشكل نتائجها العامة إطاراً ناظماً وإجابة مهمة لسؤال وجودي ألا وهو ما العمل ؟.

فمن ناحية الأسباب الموضوعية لانخفاض تلك المعايير؛ يمكن حصرها بثلاث مستويات:
مستوى بوصلة التشكل التنظيمي لقوى المعارضة والذي لطالما كان الأثر الإقليمي والدولي حاضر فيها بقوة، وترتبط “بضرورات الضبط” والتماهي مع تحولات وانحرافات العملية السياسية أو التماهي مع المسارات الموازية.

وفي هذا الإطار يمكن فهم فلسفة تشكيل “الائتلاف” ومن ثم سحب صفة مركزيته في التفاوض، في ظل التشكيلات اللاحقة في هيئة المفاوضات، وكذلك يمكن فهم فلسفة عمل وفد المعارضة ضمن مسار أستانة، وعليه يمكن القول أن جزءاً مهماً من تقليص مساحة التفاعل السياسي للمعارضة، تأتت من سيناريو الاستعصاء السياسي وتوفير مؤشرات تزمينه.

أما المستوى الثاني فهو متعلق بالتحولات الجيوستراتيجية في المشهد الأمني والعسكري السوري، وما تتطلبه من انعطافات سياسية، فمنذ 2013 ووضوح ظهور داعش ورغبتها في توفير بنية صلبة لمشروعها والتعريف الدولي لـ”الملف السوري” لم يعد محصوراً بعملية سياسية، ففي سبمتبر 2014 أعلن التحالف الدولي عملياته ضد داعش وهذا عزز منطقاً دولياً وإقليمياً، يستند على فكرة التدخل المحدد وغير المؤثر على أطراف الصراع، ناهيك عن أن الاستعصاء السياسي الذي تكرس بعد جولة جنيف 2 ساهم في تسيّد المنطق العسكري، الذي تطلب تشكيل غرف دعم عسكرية دولية، نفذت بطبيعة الحال سياسات الدعم بمقاربة “التحكم بالقرار”.

كما شكل التدخل العسكري الروسي في سبتمبر 2015 واقعاً جيوستراتيجياً نوعياً أعاد معه إعادة ترتيب تدخل الدول الاقليمية، كما تطلب تغييراً في المستندات الناظمة للحل السياسي وأطرافه، لا سيما فيما يخص “المعارضة” وتحولها لهيكل يجمع معارضات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ويأتي كل هذا ضمن ترتيبات أرادتها موسكو تغييراً في المدخلات السياسية المؤثرة في الحل، سواء من حيث الصيغ القانونية الناظمة أو من حيث زيادة السيولة في تعريف المعارضة، وانسجاماً مع كل ذلك ولتثمير فكرة الانتصار العسكري وخروج حلب الشرقية من معادلات المشهد العسكري في 2016 وتحويله لمدخلات سياسية جديدة، تبلور الاستثمار الروسي في  تأسيس مسار أستانة مطلع 2017 الذي ضبط وقف اطلاق النار بمناطق تصعيد أربع، يزمن التفوق العسكري ويهيأ الظروف لقضم ممنهج (غير مكلف لباقي الجيوب الاستراتيجية)، كما حاول مراراً خطف جنيف، وحين عجز كليّا عن ذلك عمل على “أستنة جنيف”.

وأمعن المستوى الثالث من التحولات-وهو مناطق النفوذ-في تحويل الجغرافية إلى مناطق نفوذ أمنية وإدارية، عملت جلّها إلا مناطق نفوذ المعارضة على آليات الحكم المحلي، بينما ولأسباب مرتبطة بالعبثية المحلية وبالمقاربة التركية بقيت مناطق المعارضة تعمل بمنطق إدارة محلية غير مرتبطة بمظلة سياسية أو بمظلة إدارية مركزية سورية عليا؛ وهذا بنهاية المطاف ساهم في تحويل بنى تلك المناطق إلى بنى استجابة طارئة وغير مؤسسة لمسار تنموي، يرتبط برؤية سياسية تعكس طبيعة الفاعلين والمجتمع فيها، ومما زاد صعوبة تحقيق هذا الانتقال الحجم الهائل للتحديات الانسانية التي تفرض نفسها على تلك المناطق، سوء جراء الكم الهائل من المخيمات أو النازحين أو حتى ما يرتبط بمؤشرات الأمن اليومية. ليتعزز بنهاية المطاف وبتظافر تلك العوامل تحديات جمة وضاغطة يقابلها مساحات فعل ضيقة وهوامش محدودة لصنع قرار ذاتي.

أما فيما يرتبط بالأسباب الذاتية؛ تتأكد – وتستمر- جملة من المسببات الذاتية يمكن حصر أهمها أيضاً بثلاثة:
أولها غياب الدوافع والرغبة في بناء علاقة طبيعية بين بنى المعارضة
، العسكر والساسة، الإدارة والساسة ، الإدارة والعسكرة، المدني والسياسي، المدني والعسكري، وقبل كل هذا العلاقة بين الفاعل وحاضنته.

ثانيها مرتبط بتعزيزات مؤشرات وازنة لحضور الفصائلية في المنطق الحربي أو في المنطق التنظيمي، سواء كان هذا الحضور لغايات تتمثل بالانتفاع الاقتصادي أو التسلح بالسلطة أو التوقع ضمن هواجس هوية صغرى، وهو أمر لطالما تراه الأطراف الأخرى ثغرة للتمدد والاستحواذ، لدرجة أن القوى العسكرية المتفرقة باتت محصورة في منطقة صغيرة معرضة للقضم المستمر لا سيما من قبل هيئة تحرير الشام، التي تعمل على مشروع “تسويق دولي”.

وثالثها أكتفاء أجسام المعارضة الرسمية بالتفيء بظل الشرعية الدولية والتماهي مع كل انعطافاتها على حساب الشرعية المحلية و”حسن التمثيل”، وانشغال الكتل السياسية ضمن هذه الاجسام باستحقاقات رئاسة هذه الاجسام وعدم نجاح هذه الكتل في إنجاز نظام داخلي يؤسس لتعزيز التمثيل المحلي، ناهيك عن غياب حقيقي لأجندة مدروسة في ملف “إدارة العلاقات الدولية”.

لعل النتيجة الطبيعية لتلك الأسباب، أنها تنبئ بتنامي مستطرد لمؤشرات الانتفاء والغياب الفعلي عن المشهد، الذي سيتحول بالضرورة إلى مشهد ينسجم كلياً مع سردية النظام، الذي ستكون الاطراف المقابلة له محصورة بهيئة تحرير الشام وبقوات سورية الديمقراطية، ويتعزز هذا التحول في ظل سيناريو التجميد الراهن وما يرافقه من ديناميات ضاغطة على بنى المعارضة داخلياً وخارجياً.

إلا أن هناك معطيات تتشكل من شأنها إذا ما تم العمل على استثمارها، بأن يجعل النتيجة اعلاه قابلة للانحسار، فيتبلور أمام المعارضة اليوم ورغم جل تحدياتها واقع جيواستراتيجي جديد يمكن البناء عليه؛ فمن جهة أولى يعيش حليفيّ النظام الرئيسيين تحديات بالغة الحدية، فموسكو منزلقة في غزوها لأوكرانيا وتضع نفسها في تحدي واشنطن والدول الأوروبية، وطهران تعيش انتفاضة شعبية داخلية هي الأكثر انتشاراً واستمراراً بين الانتفاضات السابقة، ناهيك عن تزايد عوزهم الاقتصادي والمالي في ظل ما يعيشوه من عقوبات اقتصادية صارمة، ومن جهة ثانية لم تفلح حتى اللحظة محاولات التطبيع مع النظام، لا التطبيع الدولي جراء العرض الروسي “شرعية النظام مقابل عودة اللاجئين”، ولا التطبيع العربي الذي تعامل مع نتائج المشهد وما رافقه من انحسار أهميته بالنسبة لواشنطن، إذ اصطدم (ويستطدم) بحقيقة أن النظام فاقد للرغبة والإرادة والإدارة على إنجاز أدنى استحقاق ولو بصيغه الانسانية كملف المعتقلين، ومن جهة ثالثة فإن ضرورة بقاء فكرة الحل السياسي أصبحت مدخلاً رئيسياً لمواجهة تداعيات الملف السوري الأمنية والاقتصادية والانسانية والتي باتت حكومات الطوق أكثر الدول تأثراً مع ما تشكله الجغرافية السورية من عطالة دائمة لاستحقاقاتهم التنموية والأمنية.

وعليه يمكن تصدير المقاربة الوطنية الآتية كجزء من أجندة كافة الفواعل السورية، التي تطمح باتجاه استرداد الدولة والمجتمع والسير باتجاه تغيير سياسي حقيقي، يؤسس لسلام واستقرار محلي ينعكس إيجاباً على المنطقة.

وتستند هذه المقاربة على ثلاث أدعمة، أولها: الأدوار المحلية : فالفرصة التي لا تنتظر، مرتبطة بضرورة تقديم مشاريع “رؤى سياسية” تعمل المعارضة (بطريقة شبكية) على إيصالها لجل الفواعل الاقليمية والدولية وإشغالهم بها باعتبارها وثائق داعمة للعملية السياسية وفق القرار 2254، كتلك المرتبطة بقضايا العقد الاجتماعي والمضامين الدستورية،  وكيفية اشراك المحليات بالعملية السياسية عبر تصدير رؤاها في جل الاستحقاقات والتأسيس من خلال هذه الدينامية لوجود مرجعية أخلاقية محلية ( غير صلبة )، تعود إليها قوى المعارضة وتلتزم بمبادئها، ناهيك عن ضرورة إعادة التواصل مع كافة الدول بما فيها التي تسعى للتطبيع مع النظام وأن يكون هذا التواصل مدعماً بخطاب محكوم بمنطق الدولة ويراعي تحولات السنين العشر.

وثاني تلك الدعامات يتمثل بالتجسير، سواء ببعده المجتمعي وما تمليه ضرورة إنجاز تقدم واضح في معادلة  المقيم والنازح، أو نسج خيوط تواصل مع المجتمعات في كافة المناطق بشكل عابر لسلطات أمر الواقع فيها، ولعل أهم محفزات التجسير هنا مرتبط بضرورات حفظ السردية وصونها. أو سواء ببعده الإداري فعلى الرغم من إدراك صعوبة توفير مركز محلي يضبط إيقاع العمل الحوكمي، إلا أن هذا لا يمنع من تدعيم الحوكمة الإدارية بتنظيمات مجتمعية كالنقابات والاتحادات والجمعيات الحرفية والمهنية وتعزيز سلطتها التفاوضية مع الفواعل المحلية. أو سواء ببعده الأمني وضرورة التأسيس الرصين لعلاقات مدنية أمنية تسهم في تعزيز مؤشرات الاحترافية وتضغط باتجاه تعزيز مؤشرات الارتباط مع وزارات الدفاع والداخلية والعدل.

وعلى الرغم من تحدي الدعامة الثالثة لجميع مبادرات المبعوث الدولي، إلا أنها لا تخرج عن الأُطر التنفيذية التي ضمنها القرار 2254 وهي بدء مشاورات حقيقية في سلة الحكم تقوم على فكرة “اللامركزية النوعية كمدخل ضامن لوحدة الأراضي السورية”، وترتبط فلسفة هذه الفكرة بثلاثة محددات لامركزية قوية تتطلب مركزاً قوياً، ضمان اشراك المجتمع المحلي بصنع القرار وتنفيذه ومراقبته، وتفكيك الاستبداد.

حاول التحليل أعلاه، إثبات أن أدوات التباكي والانتظار والمراقبة والاستسلام الكلي، لكل المشاريع التي تهدف تحقيق غايات أمنية لا وطنية على حساب تقليص مساحة عمل المعارضة؛ إنما هي أدوات من لا أداة له، وأنه رغم توافر مسببات موضوعية إلا أن البعد الذاتي حاضر في تراجع دور وتأثير المعارضة،  فالمسؤولية ربما تقع على طرف هنا وطرف هناك وفاعل هنا وفاعل هناك، إلا ان النتائج العامة ستطال الجميع، وعليه فإنه ينبغي تغليب “منطق المسؤولية العامة” وإعلان الاستمرار  بالنضال كل حسب أداته دون أن ننسى كيف استثمار هذا ليكون انطلاقة مشروع وطني ستبقى البلاد تنتظره. فديدن النضال السياسي، العيش في أتون ورشة عمل ليس فيها جلسة ختامية.

المصدر السورية.نت


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا