بهجت سليمان واختراع “المثقف المستمع”

كان لدى الأسد الأب ومن خلفه الابن مشكلة كبيرة مع المثقفين، ليس لأنهم يتكلمون كثيراً في مواضيع تافهة لا تتماشى مع تفضيلاتهم بل لأنهم يتكلمون فقط. فالمثقف في فهم العائلة الأسدية هو “المثقف المستمع”، وهو اختراع ومساهمة فكرية كبيرة على غرار “المثقف العضوي” لغرامشي أو “المحايد” لإدوارد سعيد.

لقد طور الأسد الأب والابن قدرة استثنائية على الكلام الطويل مع اختلاف التخصص. لا يخفى على أحد، مثلاً، اهتمام حافظ بالتاريخ، فقد قرأ جميع الكتب المدرسية ومنشورات الحزب وحفظها غيباً، وبات يرددها كببغاء مع ضيوفه لساعات طويلة أصابت بعضهم بحصر بول وتبول لا إرادي. وقد وصل الاستهزاء بالرئيس المؤرخ حداً صار توقع حديثه بمفرداته ومدته شائعاً لدى الزوار الذين يهيئون أنفسهم لحصة مدرسية طويلة. الأمر الذي اضطر أجهزة النظام إلى إعادة تدوير القصة على شكل انتصار حققه الأسد مع مسؤول أميركي لم يتمالك نفسه بعد جلوسه ساعات متفاجئاً بثقافة الأسد الأب ومعرفته.

معرفة الابن كانت بلا شك أوسع وتتجاوز التاريخ إلى علم الأحياء، الفيزياء، وهندسة الميكانيك. درس بشار الطب مختصاً بالعيون قبل أن يصبح رئيساً بالصدفة، لكن حلم الأستاذية ظل يراوده دائماً.

كأبيه، يكره الأسد الابن الاستماع ويفضل الكلام، المرتجل منه خاصة، حتى لو أوقعه في مطبات كارثية تضطره للتوسط والاعتذار من أجل تجاوزها. كأبيه أيضاً، بنى الابن ثقافته على الكتب المدرسية البسيطة وكلام المجلات المجافي للكتب حتى أصبحت لديه القدرة على التكلم بكل شيء. يسهب في شرح الخشب والألياف إذا مر مصطلح قريب في سياق الحديث، ويحب إعادة تعريف المصطلحات والتمهيد لها. جملته الافتتاحية مشهورة: قبل أن نتلكم عن كذا لا بد أن نعرف كذا وأن نفرق بين هذا الكذا والكذا المختلف الذي يؤدي في نتائجه إلى كذا وكذا. وتستمر هذه الدورة دون أن يقدم إجابة عن السؤال أو يقدم معنى بعينه، وغالباً ما يسبق كل أجوبته بكلمة “أعرف”، وهو أمر لاحظته المجلات الأميركية مؤخراً، دون أن ينتج عن هذه المعرفة أي حلول بل إجراءات تافهة من قبيل إلغاء برامج الطبخ في التلفزيون الرسمي كحل لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمعيشية.

وبينما كان يستخدم والده خطاباً ماضوياً يستذكر فيه الأجداد والسير على هديهم، استخدم الأسد الابن خطاباً استشرافياً، فهو يرفض الإصلاح لأن الشعب غير مؤهل ولا يفهم الحرية والديمقراطية. أكثر من ذلك، يتخذ موقفاً فوقياً تجاه الشعب باستمرار. ففي إحدى مقابلاته، طالب بشار الأسد من الشعب أن يتغير، وأن يعد الرئيس الشاب بالتغير من أجل أن يفكر هو بالتغيير والإصلاح. والإصلاح بالنسبة له، كما كان خلال العشر سنوات الماضية، يبدأ بشكل تدريجي إدارياً، ثم قانونياً، ثم تشريعياً ولا مشكلة أن يستغرق عقوداً كي ينجح بطريقته ويصل حد الإصلاح السياسي. ويمكن ملاحظة ذلك، فالنظام وبعد عقدين من الزمن منها 10 سنوات دامية ما يزال يعقد الندوات والمؤتمرات عن ضرورة إصلاح البلديات والانتخابات المحلية سبيلاً للتطوير والتحديث.

باختصار، لم يكن لدى الأب والابن قدرة على إقناع أحد سوى المؤيدين الذين يؤيدون عادة لأسباب لا تتعلق بكفاءة المؤَيد وقدرته على الإقناع. كانا يعرفان ذلك ويكرهان تملل المثقفين من النزعة الدائمة لإبراز الذات أو عدم التسليم السهل بالقدرة الخارقة والمعرفة الكاملة. ضمن هذا السياق، كان بهجت سليمان الأكثر قدرة على الاستماع بحب وشغف ودون تملل أو حتى تفكير بما يقوله الرئيسان. امتلك سليمان قدرة كبيرة على إعادة تدوير ثقافة الأب والابن داخل مؤسسات النظام وخارجها، وصار لازماً على أي مثقف يريد أن يستفيد من السلطة أو يتقي شرها أن يمر على بهجت سليمان.

كان الأخير واجهة البلد الثقافية، شاعرها وخطيبها، وفارسها الذي يتصدى لكل ما يهين سيدها. وقد حافظ على مكانته حتى بعد تقدمه بالسن وافتقاده التواصل بلغة اليوم خارج اللغة الخشبية المستخدمة. وعلى مدار خدمته الطويلة، حرص سليمان على تفريخ الكثير من أمثاله، فقد كان لدى القيادة القطرية مركز دراسات مقابل فندق أمية في الصالحية خصص لهذا الغرض.  مهدي دخل الله، جمال محمود، خالد العبود، وغيرها من النماذج التي دربت على الاستماع للرئيس وإعادة ثقافته مع دورات باللغة العربية وتجنب الأخطاء الشائعة، صارت في عهد الأسد الأب والابن نماذج ثقافية تقدم للشعب كل يوم جرعات من التحليل المضلل الذي يختلط معه كم كبير من الوقاحة، والتفاهة. لا توجد كلمات تقال في وفاته اليوم سوى أنه نموذج سادي عابر في درب السوريين الدامي نحو الحرية.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا