الخصخصة في سوريا: عودٌ على بدء

أطلق رأس النظام السوري، بشار الأسد، قبل أسبوع، صافرة البدء بموجة جديدة من الخصخصة للقطاع العام ورفع الدعم، قد تكون الأخطر، منذ وصوله إلى السلطة في العام 2000 . وقد سبق ذلك، تمهيد قانوني، وسلسلة تصريحات لمسؤولين بحكومته، في معرض تبرير التحوّل المرتقب في هيكلة الاقتصاد السوري.

وفي حوارٍ مع مجموعة من الأكاديميين الاقتصاديين المنتمين للحزب الحاكم، حدّد الأسد جنس الاشتراكية التي يريدها للبعث. فهي لم تعد تلك المعرّفة وفق كارل ماركس بملكية الدولة لوسائل الإنتاج، بل العدالة الاجتماعية، بمعنى تكافؤ الفرص بين مختلف الشرائح. وهي توطئة جليّة، للخصخصة المرتقبة. أما التكافؤ المُرتجى بين السوريين، فيمكن قياسه على تجربة “اقتصاد السوق الاجتماعي”، التي طبقها الأسد في عقد حكمه الأول، والتي خلقت المقدمات الاقتصادية لانفجار العام 2011.

ويسلّط تقرير تحليلي نشره مركز “جسور” للدراسات، قبل أيام، ذاك التمهيد القانوني الذي عمل عليه النظام عبر سلسلة قوانين صدرت في العام 2023، واستكملها بقانونين جديدين في العام الجاري. وترفع هذه القوانين من إمكانية بيع الأصول الثابتة للمؤسسات والشركات العامة.

فالقانون رقم 3 لعام 2024، ينص على إحداث شركات مساهمة عمومية وقابضة ومشتركة، في اختراقٍ غير مسبوق لبنية النظام الاقتصادي السوري منذ بدء حكم البعث عام 1963، ويمثّل تراجعاً عن النهج الاشتراكي. وفيه، إن كانت ملكية الدولة 49% أو أقل، كانت مساهمة مشتركة، ويمكن أن تكون محلية أو أجنبية. مما يفتح الباب أمام شركات أجنبية روسية وإيرانية لتقدّم عمليات التمويل للاستثمار المشترك مع القطاع العام السوري.

أما القانون رقم 11 لعام 2024، فقضى بدمج مؤسسة حلج الأقطان ومؤسسة الصناعات النسيجية وجميع الشركات التابعة لهما في شركة واحدة، واعتبار الشركة الجديدة بموجب القانون تاجراً، مما يمثّل توجهاً من جانب النظام نحو الاقتصاد الريعي سريع الربحية مقابل خسارته لصناعات وزراعات استراتيجية.

وكان وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية، قد استبق تصريحات الأسد، بساعات، عبر الحديث عن مدى استنزاف “الدعم” لميزانية الدولة، والتأكيد على أن شكل الدعم الحالي، لا يمكن أن يستمر. وهو ما أكده الأسد كذلك. من دون أن يوضح أي منهما، معالم الشكل الجديد للدعم الاجتماعي، في ضوء تراجع دعم الخبز والمحروقات والمواد التموينية، أساساً. لكن تصريحات لمسؤولين آخرين، أعطت مؤشرات للمقصود.

إذ خلال ندوة أقامتها جامعة دمشق-قبل بضعة أسابيع-، تحت عنوان “الاستثمار في الصحة”، أطلق وزير الصحة تصريحات تكشف عن نيّة الوزارة طرح المستشفيات الحكومية للاستثمار مع القطاع الخاص، تحت عنوان “التشاركية”، وهو ما يعني إعادة هيكلة الخدمات الصحية المجانية، تحت ذريعة أن “تصل لمستحقيها”، بصورة ستؤدي حكماً إلى تقليص تلك الخدمات، كماً ونوعاً.

ومنذ نحو أسبوعين، نظّمت جامعة دمشق ندوة حوارية جديدة، هذه المرة تحت عنوان “الاستثمار في التعليم”، قرأها موقع “قاسيون” -الذي يديره حزب الإرادة الشعبية بقيادة قدري جميل المقرّب من موسكو-، على أنها تسويق للاستثمار في القطاع العام التعليمي، بصورة قد تعني الانتقال به من حالة تخفيض الإنفاق العام، إلى مرحلة إنهاء مجانيته. إذ تحدث وزير التربية عن العبء الكبير جداً الذي تتحمله الدولة، فيما تحدثت رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة سوريا عن الحاجة لتوفير موارد مالية تنعكس على جودة الخدمات المقدّمة للطلاب.

ما سبق دفع اقتصاديين في مناطق سيطرة النظام إلى التحذير علناً من المساس بدعم الصحة والتعليم، بوصفه خطراً يهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي، في ظل الوضع الراهن. فيما تحدث موقع “قاسيون” –أيضاً- عن تصريحات غير تقليدية لوزير الكهرباء، خلال جلسة لمجلس الشعب، في الأسبوع الأخير من الشهر الفائت، تُظهر عزم الوزارة على الذهاب قدماً في مسار خصخصة هذا القطاع، على غرار ما بدأ فعلياً في محطة دير علي، تحت مسمى “التشاركية”، من دون أي معلومات عن تفاصيل الشركات التي “شاركت” القطاع العام، أو حيثيات عقود “التشاركية”، تلك. وفي ظل انعدام الشفافية، قرأ موقع “قاسيون” هذه “التشاركية” بوصفها تتمحور حول “منح بعض الشركاء المحظيين فرصة نهب وتكسّب تدر عليهم أرباحاً سهلة وسريعة.. وبذريعة تحسين الخدمة”. مع الإشارة إلى أن خدمة الكهرباء تزداد تدهوراً.

وفيما يحضّر النظام السوريين لموجة جديدة من الخصخصة ورفع الدعم، يمكن التذكير بنتائج الموجة الأولى منهما، في العقد الأول من حكم بشار الأسد، قبل العام 2011. وفي ذلك، نعود لمقال مترجم نشرته مجلة “بدايات لكل فصول التغيير”، عام 2021، بقلم أستاذ دراسات التنمية في جامعة “لوزان”، السوري – السويسري، جوزيف ضاهر، والذي تحدث عن السياسات “النيوليبرالية” التي اعتمدها الأسد الابن بعيد وصوله إلى السلطة عام 2000، والتي تميزت بعمليات خصخصة على نطاق واسع، وتوجّه نحو تحرير الأسواق، وتخفيض الدعم للكثير من السلع والخدمات. ويوضح ضاهر أن ذاك التوجّه لم يكن شاملاً يومها، إذ ظلت الدولة تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه، انسحبت من مجالات أساسية في توفير الرعاية الاجتماعية، مما فاقم من المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية التي كانت موجودة أساساً.

وفي ذاك العقد، حدثت طفرة في التجارة والإسكان والعمليات المصرفية والبناء والسياحة، على حساب القطاعات الإنتاجية. وفي مجال الزراعة، تمت خصخصة الأراضي على حساب عشرات آلاف الفلاحين في شمال شرقي سوريا، بالتزامن مع موجة جفاف قاسية بين عامي 2007 و2009، مما أدى إلى تراجع اليد العاملة في الزراعة بنسبة 40%. فيما عمّقت عمليات الخصخصة حالة الاحتكار لصالح المقرّبين من رأس هرم النظام. وقد مهّد ذلك لانفجار العام 2011.

واليوم يتكرر المشهد. وقد تنبأ جوزيف ضاهر قبل ثلاث سنوات، بأن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية للنظام، لن تتغيّر. وقال إن الاقتصاد السوري يتحوّل إلى شبه اقتصاد استهلاكي بكلّيته، وعلى درجة منخفضة جداً من الإنتاج. ومع الاستعصاء السياسي، وعدم وجود معارضة منظّمة قادرة على جمع شرائح كبيرة من السوريين حولها لمواجهة النظام من جديد، يبدو التعافي الاقتصادي صعباً جدّاً في المدى المتوسط، حسب ضاهر، الذي خلص إلى أن سوريا في السنوات القليلة القادمة ستكون بالصورة التالية: مزيد من الإضعاف والتراجع لقطاعات الإنتاج، والمزيد من الإفقار لشرائح واسعة من المجتمع، والمزيد من معدلات البطالة الضخمة، ومعدلات الهجرة المرتفعة للغاية بين المتخرّجين الشباب.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا