حزم تركي لتوحيد الشمال وتعزيز المناطق الآمنة

انتظرت الأوساط السورية مطولا الموقف التركي من التطورات والأحداث التي شهدتها مناطق درع الفرات وغصن الزيتون مؤخرا من تقدم لقوات هيئة تحرير الشام إلى مدن وبلدات هاتين المنطقتين، وما تبع ذلك من مواجهات مع الفصائل العسكرية الثورية المنتشرة في المناطق الآمنة، ليأتي اجتماع الأربعاء في غازي عنتاب بين الجانب التركي وقادة الفصائل الثورية ليكشف عن موقف أنقرة مما جرى، ووجهة نظر تركيا فيما يتعلق بالتطورات الحاصلة، ليكون هذا التواصل المباشر الأبرز منذ تلك الأحداث، حيث بدا واضحا من خلاله وجود حزم تركي لترتيبات جديدة في المنطقة.

وبات من المعروف أن أنقرة ربما تشعر بخيبة أمل من الوضع القائم في المناطق الآمنة التي عملت على تشكيلها ودفعت مع قوى المعارضة ثمنا كبيرا لتشكيلها سواء عبر بذل الدماء، أو عبر المواجهات الدبلوماسية على الصعيد الدولي، وذلك مع غياب التنسيق بين القوى الثورية، والفلتان الأمني الكبير، والمزاجية لدى قيادات الفصائل، وغياب الاستقرار والأمان، وغياب الدور الحقيقي لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، ومشكلات أخرى لا يمكن عدها، وباتت المنطقة غير آمنة ولا تحقق الأهداف التي بذلت أنقرة جهودا كبيرة لتأسيسها وتطهيرها من الإرهاب، لتقديمها كمكان آمن للسوريين الهاربين من بطش النظام والإرهابيين والانفصاليين.

اجتماع غازي عنتاب وإن رشح منه عدة نقاط نشرت عبر بعض وسائل الإعلام، إلا أن المعلومات المتوفرة منها تشير إلى أنه كان اجتماعا من طرف واحد، أي إن الجانب التركي كان المتحدث الوحيد فيه، وقادة المعارضة كانوا مجرد مستمعين فيه، حيث ألقى الجانب التركي كلامه لقادة الفصائل، وأوضح فيه حزم وعزم أنقرة على فرض الاستقرار والأمان في هذه المنطقة، وذلك عبر تشكيل قيادة موحدة للجيش الوطني، ويعني هذا أن ثمة فصائل ستندمج مع الجيش الوطني وأخرى ستختفي عن الوجود، وأن العناصر الذين سيشكلون الجيش الوطني مستقبلا سيخضعون لمعايير جديدة في الاختيار.

المعلومات نفسها تشير إلى أن أنقرة أفادت للمجتمعين معها أنها هي صاحبة القول الأول والأخير في المنطقة وكل شيء يكون بقرارها والتنسيق معها، محملة قادة الفصائل مسؤولية ما جرى في المنطقة بسبب نزاعاتهم وخلافاتهم، ومهددة بنفس الوقت بأن أي أعمال أو تصرفات خارج إرادة أنقرة، يعني ذلك أن من يرتكبها سيكون ملاحقا داخل تركيا أو في سوريا، وربما يشمل مصادرة الأموال والممتلكات، وهذا تهديد قوي من نوعه يشير إلى حزم تركي في إجرائه الجديد، ويؤكد أن أنقرة ضاقت ذرعا من الخلافات المستمرة، وحالة الانقسام الحاصلة في المنطقة، وغياب التنسيق بين القوى، وهو ما يعرض أموال وأرواح الناس للخطر، وتنفي عن المنطقة صفة الأمان.

الموقف التركي يعتبر طبيعيا في إطار محاولاته الدائمة لتسويق المناطق الآمنة على الصعيد المحلي السوري والمحلي التركي وعلى الصعيد الدولي، إذ إن أنقرة ترغب بمزيد من التطوير وإعمار وتنمية هذه المناطق تشجيعا للاجئين والنازحين بالعودة إليها، وتقديم نموذج لحياة كريمة للسوريين بعد سنوات الثورة التي أدت لوحشية من قبل النظام ضدهم، وتعمل تركيا في كل منصة دولية للحديث عن هذه المناطق والتشجيع على دعمها، حتى أمام الدول الضامنة التي تصطف لصالح النظام تدافع أنقرة عن هذه المناطق وأهميتها، وبالتالي هناك ضرورة لأن تكون مستقرة آمنة بشكل دائم بعيد عن الخلافات والفلتان الأمني.

ويضاف لما سبق سعي أنقرة لتوسيع المناطق الآمنة، حيث إنه بات معروفا أن أنقرة لديها خطط لتوسيع المناطق الآمنة لتشمل كذلك مناطق تل رفعت ومنبج وغيرها من المناطق من مثل عين العرب، وهي تنتظر الفرصة المناسبة لهذا الأمر، منها التوقيت المناسب، وهذا التوقيت سيأتي ولحين ذلك تلجأ الدبلوماسية التركية لتهيئة الظروف المناسبة عبر نزع الأسباب التي تؤدي إلى معارضة الدول الفاعلة على الساحة السورية للعمليات العسكرية الجديدة، والمقصود هنا تحديدا إيران وروسيا، واللتان دعتا أنقرة لحوار النظام في مسألة محاربة التنظيمات الانفصالية، وتفاعلت أنقرة معه لتحقيق عدة أهداف رغم إيمانها بعدم فاعلية حوار النظام.

وتهدف أنقرة إلى كسب الوقت لتأسيس التوقيت المناسب من أجل توسيع المنطقة الآمنة، عبر عمليات عسكرية جديدة في المنطقة، وأهم الأهداف هو انتزاع التفاهم مع روسيا لتسمح بالعمليات الجديدة، إذ إنه من الواضح لأنقرة أن حوار النظام لن يؤدي لنتيجة تذكر، والهدف الثاني هو توجيه الرسائل للرأي العام المحلي والدولي بأن أنقرة منفتحة على كل الخيارات ولكن الجانب المظلم في الأمر هو نوايا النظام المواصل لسياساته منذ بداية الثورة، وهذه الرسائل أيضا ستتفهم الموقف التركي لاحقا، والنقطة المهمة هي قرب موعد العمليات العسكرية الجديدة من المرحلة الانتخابية، لأهمية ذلك على الرأي العام الداخلي وتفهمه لها، وهذه الأهداف هي محددات بنفس الوقت ومؤشرات لانطلاق العمليات العسكرية المقبلة.

إن ما حصل في المنطقة مؤخرا من اضطرابات هي فرصة لأنقرة من أجل توظيف هذه الحالة لتوحيد القوى العسكرية الموجودة في المنطقة في بنية واحدة يسهل معها اتخاذ القرارات والتنسيق وتأمين المناطق وحمايتها، وتفعيلها من أجل أي تحركات مستقبلية لتوسيع هذه المناطق، كما أن هذه المناطق في حال استقرت ستحقق مزيدا من الاستثمارات وإعادة الإعمار وسيكون تسويقها دوليا أفضل، ما يدعم عملية توسيع حدود هذه المنطقة مستقبلا، بما يشمل مناطق أخرى تدفع بقرابة مليون سوري آخر للعودة إلى قراهم وبلداتهم، ولهذا فإن توحيد القوى في هذه المنطقة يسهل عملية التنسيق والتحرك وضبط الأمور واتخاذ القرارات لمواجهة الأخطار في المنطقة وعلى رأسها خطر النظام وإرهاب المنظمات الانفصالية، ويمكن لأنقرة أن تعول على الجسم العسكري الجديد بقيادته الموحدة في المهام الموكلة الجديدة له مستقبلا لتوسيع حدود هذه المناطق.

ووصولا لهذه الأهداف كان اجتماع غازي عنتاب حازما وحاسما للانتقال إلى مرحلة جديدة من ضبط المنطقة ومزيدا من السيطرة على مجريات الأحداث فيها، وبالتالي ستعمل أنقرة على إعادة تنظيم وترتيب الأمور في الشمال تمهيدا للتوسعة المطلوبة، ومن المؤكد أن وجود هيئة تحرير الشام لن يكون خيارا مناسبا لتركيا في ظل المواقف المحلية التركية والدولية منها، كما أن الجهاز التنفيذي سيبقى محصورا بالحكومة المؤقتة التي لا تزال تحظى بالدعم الدولي، ومن مؤشرات ذلك لقاء مؤخر جمع رئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى مع مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى إيثان غولدريتش وهو ما يعني أن الثقة لا زالت موجودة في هذا الجهاز التنفيذي ويحتاج لدعم لتفعيله أكثر وتعزيز نشاطه بالمناطق الآمنة، ومن المؤكد أن الاستقرار وإعادة تنظيم الأمور في المناطق الآمنة ستساهم في فعالية الحكومة المؤقتة مستقبلا.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا