سوريا كشرط لتطبيع العلاقات التركية الفرنسية

منذ أكثر من عام وهناك تراشق وانتقادات متبادلة بين كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصف فيها أردوغان ماكرون بأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وأنه لا يعرف تاريخ بلاده، وتارة أخرى قال عنه إنه يحاول عبثا أن يكون مثل نابليون.

ومما لا شك فيه أن كل هذه التصريحات تشير بوضوح إلى تضارب المصالح بين البلدين والذي يظهر في أكثر من قضية وبلد من أذربيجان ومرورا بسوريا ولبنان وليبيا وليس انتهاء بالتنافس المتصاعد في أفريقيا فضلا عن الدور الذي تلعبه فرنسا في تأجيج الموقف ضد تركيا في شرقي المتوسط.

خلال الأشهر الأخيرة قامت فرنسا بدعم اليونان عسكريا من خلال الإعلان عن صفقة ستشتري اليونان بموجبها 18 طائرة رافال فرنسية، كما قادت فرنسا في قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 10 و11 ديسمبر 2020 جهود تطبيق عقوبات على تركيا وخاصة الشركات والأشخاص المساهمين في عمليات التنقيب في شرقي المتوسط. وكانت تركيا قد دعت اليونان أكثر من مرة إلى عدم الانجرار إلى مبادرات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وحتى على صعيد أزمة كاراباخ التي انتهت نسبيا من خلال الاتفاق الأخير الذي أشرفت عليه تركيا وروسيا فقد اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في نوفمبر 2020 قرارا يدعو الحكومة للاعتراف بإقليم كاراباخ الأذربيجاني كـ”جمهورية كارباخ” بدلا من اعتباره أرضا أذربيجانية. وقد تم تمرير القرار دون التطرق إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الموقع بين أذربيجان وأرمينيا وروسيا، والذي بموجبه تسلم يريفان الأراضي التي تحتلها إلى باكو.

وفيما يتعلق بليبيا فقد دعمت فرنسا حفتر بشكل سافر بالرغم من اعترافها الشكلي بحكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة، وبينما تعاونت مع عدة دول في دعم حفتر بالسلاح فقد ساهمت بشكل كبير في إنشاء مهمة إيريني البحرية منذ إبريل 2020 لمنع وصول الدعم التركي لحكومة الوفاق بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق فقد صرح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قبل عدة أيام بأن فرنسا أرادت التغطية على جرائمها باستحداث عملية ” إيريني “على حد تعبيره.

أمام هذا المشهد الممتد من الخلافات والمنافسة جاء تصريح لافت من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو قبل عدة أيام حيث قال إن تركيا يمكن أن تطبع العلاقات مع فرنسا ولكن بشرط أن تغير فرنسا موقفها بشأن العمليات العسكرية التركية في سوريا.

بمعنى أن الملف الأهم والذي يحتل الأولوية في قائمة الخلافات التركية هو الملف السوري وتحديدا دعم وحدات الحماية في شمالي سوريا، وهذا متفهم كونه الأكثر تأثيرا على الأمن القومي التركي من جهة، كما أنه في ظل خطط وإجراءات الولايات المتحدة للانسحاب في عهد ترامب فإن إنهاء فرنسا لدعمها لوحدات الحماية كان سيجعلها عاجزة، وهنا نستحضر ما قاله وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، في يوليو: “فرنسا كانت أكثر دولة نتفاهم معها بخصوص الملف السوري، ونعمل معا بتوافق تام، ولكن عندما بدأوا بدعم وحدات حماية الشعب الكردي الانفصالية، من أجل تقسيم سوريا، بدأت الخلافات بالظهور بيننا”. نددت أنقرة مرارا باستقبال الرئاسة الفرنسية عدة مرات وفدا من مجلس سوريا الديمقراطية، الجناح السياسي لـ”قوات سوريا الديمقراطية” في العاصمة الفرنسية باريس، واعتبرته محاولة “لإعطاء شرعية مصطنعة لملحقات التنظيم الإرهابي”.

بل بدت فرنسا متشددة أكثر من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالموقف التركي في شمالي سوريا ففي أكتوبر 2019 حيث دعت لوقف العمليات التركية وقال رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب إن تركيا والولايات المتحدة “تتحملان مسؤولية كبيرة جدا” إزاء ما آل إليه الوضع في شمال شرقي سوريا، وفي “المنطقة” بشكل عام، معربا عن “الأسف” لصدور “قرارات كارثية” خلال الفترة الأخيرة.

وعندها ردت الخارجية التركية: بالقول: “يتضح جيدًا أن فرنسا التي تحاول إقامة دولة إرهابية في سوريا، اتخذت هذا القرار نتيجة خيبة أمل أصيبت بها جراء عملية نبع السلام”.

حاليا مع قدوم إدارة بايدن فإن فرنسا تشعر بموقف أقوى وبالتالي فإنها ستعارض بشدة أي عملية تركية في الأسابيع المتبقية من حكم إدارة ترامب، ويبدو أن تركيا تحاول أن تجعل الموقف الفرنسي أقل صلابة. وعلى كل الأحوال تقرأ هذه الرسالة التركية على أنه في حال تم التفاهم في سوريا فإنه يمكن التفاهم في بقية الملفات في ليبيا وشرق المتوسط. وقد كانت أنقرة قد أرسلت سفيرا جديد إلى باريس يتميز بارتباطه بعلاقة صداقة وزمالة خلال الدراسة مع ماكرون شخصيا وقد فهم هذا التعيين أيضا على أنه بادرة حسن نية.

تتزامن هذه الرسالة التركية مع رسائل تهدئة مع أكثر من طرف دولي وقد عينت أنقرة 51 سفيرا جديدا في بعثاتها الدبلوماسية خاصة في البلدان المهمة والمؤثرة في خطوة اعتبرت بادرة حسن نية لصفحة جديدة.

مع كل الخلاف مع ماكرون واستمرار أردوغان في التعامل مع ميركل على أنها ممثلة القيادة الأوروبية إلا أن تركيا تدرك أن فرنسا أكثر انخراطا في قضايا الشرق الأوسط في سوريا وليبيا ولبنان وحتى مع مصر ولهذا فإن سوريا هي القضية الأكثر حساسية بالنسبة لتركيا وإذا حصل تفاهم مع فرنسا بخصوص السياسات التركية فيها فإن الباقي سيكون أسهل. وهذه السهولة بالطبع نظرية حيث يحفل الواقع بالصعوبات والتعقيدات وحتى بالتشاؤم.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا