عودة حضور القضية السورية عالمياً

منذ الرابع والعشرين من الشهر الماضي، انحسرت الكتابات والرؤى والتنظير على ما سيفعله بوتين في أوكرانيا وأوروبا والعالم؛ وعلى ردة الفعل العالمية تجاه فعلته. فهل سيكون هناك غيوم نارية تشبه الفطر فوق كرتنا الأرضية؛ وهل شبه الإجماع العالمي، الذي يضع بوتين وروسيا تحت المجهر، سيعيد تشكيل عالمنا؟ وهل ضمن هذه العاصفة الكونية، تتحول القضية السورية إلى حطام منسيٍ؛ أم إنها ستحضر بشكل غير مسبوق في المحافل الدولية، لأن مستعمرة الأسد تتفرّد بموقف مع حرب بوتين على أوكرانيا لا شبيه له عالمياً؟!

تتسارع الأحداث والمفاجآت بلا حدود؛ وكأن عالمنا يكتشف بوتين للوهلة الأولى. وهذا أبعد ما يكون عن فهم حقيقي لعالمنا الجديد منذ فجر الألفية الثالثة. فبوتين لم يبدأ تمرّسه بالإجرام، وتكشّف ما يدور في خلده من الشيشان، عندما حوّل “غروزني” إلى أرض يباب؛ وما اتضحت طموحاته المريضة وقصة إجرامه العالمية، عندما قضم جزيرة القرم؛ ولا بابتلاعه لجورجيا، ولا بخنقه صوت الحرية في كازخستان؛ بل إن ما في جعبته من مآسٍ اتضح بحمايته لمنظومة استبداد ارتكبت جرائم حرب بحق شعبها، وعندما ساهم بقتل وتشريد السوريين وتدمير حياتهم؛ والأمر الدامغ بدلالته على مشروع إجرامه العالمي، تمدده إلى البحر المتوسط، وإطلاله من الجنوب على أوروبا، واقترابه من الأطلسي. ومن هنا، وبناءً عليه، تبقى سوريا وقضيتها كعب أخيل بوتين.

يقول أحد السياسيين الغربيين: “لو تم إيقاف بوتين في سوريا لما وصل إلى أوكرانيا؛ رغم أن ذلك أمر سيئ، لكن الأمر الجيد أن الفرصة لم تفت بعد، ونتيجة المواجهة في أوكرانيا اليوم قد تحدد مصير النموذج الغربي لسيادة القانون، بل وشكل النظام العالمي”. وهنا لا بد أن نشكر المتحدث لتَذَكُّره القانون، الذي يبدو أنه لا يتم تذكُّره إلا عندما تخص المواجع الغرب؛ أما باقي الخليقة، فدعس القانون ليس بجريمة. السوريون من جانبهم يسعدهم إعادة القيمة والاعتبار للقانون، وخاصة أن بأيديهم ما يقارب مليوني وثيقة على ارتكاب روسيا ونظام الأسد أبشع الجرائم بحق الشعب السوري، والمحاكم الدولية، وخاصة الأوروبية تمتلك الولاية القانونية للمحاكمة والملاحقة والمحاسبة؛ فهل تفعلها؟

يميل بعضهم إلى الاعتقاد أن الحل السياسي في سوريا، وبمجمله عرضة الآن لحالة جمود، بحكم أنه مبني على توافقات هشة قوامها مصلحيات متبادلة تأخذ من القانون الدولي مطية للتلاعب. ومع ارتفاع درجة حرارة الصراع في أوكرانيا، واحتمالية اتساعها وانفراط أي تنسيق أو توافق بين أميركا وروسيا فإن استمرار الانخراط بعملية عبثية كهذه هو الضرر الأكبر بقضية السوريين وحقوقهم البيّنة. إلا أن تشظي التوافق المصلحي الأجوف ربما يكون نافعاً لهذه القضية؛ فتحضر بطريقة مختلفة أكثر جوهرية وأضمن نتائج تعيد سوريا وأهلها إلى سكة الحياة خالية من الاستبداد وحُماته، الذين يجعلون العالم يقف على رؤوس أصابعه.

لقد كانت أستانا أحد الدهاليز لتضييع القضية السورية والإجهاز على القرارات الدولية؛ وكذلك كانت سوتشي ومُخرجها “اللجنة الدستورية”، لإغلاق الملفات الأخرى المتضمَّنة في القرارات الدولية الخاصة بسوريا؛ وكذلك كان وهب بوتين للقوى المتصارعة كلاً ما يناسبه؛ وما كان ذلك إلا عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فإيران حاجة ميدانية بميليشياتها ومخططها الجهنمي وجشعها البائن؛ وكذلك إسرائيل، وحلمها ببعثرة وبخراب سوريا إذا ما تمت إزاحة حراس حدودها المتمثلة بمنظومة الاستبداد وميليشيات إيران.

ها هي ثورة الشعب السوري العظيم تدخل عامها الثاني عشر؛ ولا يزال صامداً صابراً على ما لم يتعرض له بشر بالتاريخ من استبداد وفساد واعتقال وقتل وتشريد واحتلال، مرفقاً بخذلان هذا العالم، الذي استنفر لينقذ أوكرانيا ممَّن درّب قتلته وآلته الحربية على روح شعب سوريا وأرضه؛ وممن تلاعب بقضيته خادعاً العالم بأنه يريد حلاً سياسياً. وها هم الروس والنظام يسخّرون تظاهرهم بالانخراط في العملية السياسية لرفع العقوبات عن كاهل منظومة الاستبداد الأسدية وإعادة تكريرها؛ وها هو المبعوث الدولي يطرح توجهه في “الخطوة- بخطوة” لنسف القرار الدولي الحافظ لحق السوريين، ولطي ملف الإجرام الأسدي البوتيني. وها هو يضرب عرض الحائط برفض السوريين لمنهجيته الجديدة، ويرسل دعوة للمعارضة للاشتراك بجولة جديدة للجنة الدستورية. وها هي، للأسف، دعوته تُلَبّى باستثناء رفض أعضاء خمسة خاطبوا الأمم المتحدة واجتماع أصدقاء سوريا بنداء لاجتماعهم في واشنطن لوقف هذا العبث بالقضية السورية؛ وهاهم الأعضاء إياهم الآن يناشدون أهل الثورة السورية مشاركتهم برفض مبدأ “الخطوة بخطوة” ورفض دعوة المبعوث “بيدرسن”، حتى يعلن صراحة وعلى الملأ في مجلس الأمن أن ولايته محددة ومهمته محصورة فقط بالتطبيق الحرفي للقرار الدولي2254 ، وأول بنوده الانتقال السياسي في سوريا، كي تعود بلدهم إلى سكة الحياة حرةً سيدةً مستقلة.

لا بد للسوريين من الاستفادة من الحصار العالمي لروسيا. لا بد من المساهمة بشلِّ أذرعها والتي يخنقهم أحدها. لا بد من التقاط هذا المفصل الزمني، والإيضاح للعالم بأن السوريين كانوا وما زالوا الضحية الأكثر معاناة من ذلك الإجرام البوتيني. ليعلم هذا العالم أنه عندما حُرم السوريون من أدوات يدافعون بها عن أنفسهم في وجه الاستبداد والاحتلال، فإن تلك الغفلة فتحت شهية بوتين والاستبداد، وفسحت في المجال لاتجاهه نحو أوروبا، وعدم التوقف عند أوكرانيا، ربما. فها هي جحافل المرتزقة تقرع أبواب هذا العالم، الذي صمت لعقد من الزمن على تغول الدكتاتورية والاستبداد في حياة السوريين. فهل تحدث الصحوة؟!

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا