في تفسيرات الانهيار الأخير لليرة السورية

منذ أن بدأت التعاملات الأولى في سوق الصرف، بعد عطلة عيد الفطر، تواصل الليرة السورية انهيارها المتواصل نحو عتبات متدنية غير مسبوقة.

وكانت آخر جولة دامية، وأكثرها دراماتيكية، يوم أمس السبت. إذ خسرت الليرة نحو 1.7% من قيمتها في دمشق، وارتفع الدولار في عموم البلاد بين 150 إلى 300 ليرة، في يومٍ واحدٍ فقط.

ولتوضيح مدى دراماتيكية هذا المسار الهابط الذي بدأ قبل 12 يوماً، يمكن الإشارة إلى أن الليرة خسرت في مجمل الثلث الأول من هذا العام، 22% من قيمتها، 13.5% منها، في الـ 12 يوماً الأخيرة، بزيادة 1000 ليرة للدولار الواحد. أي أن نحو ثُلثَي خسارة الليرة في أربعة أشهر، تركزت في آخر 12 يوماً.

أثار هذا الانهيار هلعاً بين السوريين، انعكس على سوق الذهب، الذي شهد إقبالاً كبيراً على شراء ذهب الإدخار (أونصات وليرات ذهبية)، رغم ارتفاع الأسعار العالمية بصورة كبيرة، ما دفع جمعية الصاغة -الجهة الرسمية التابعة للنظام التي تنظّم سوق الذهب- إلى التحذير من الإفراط في الطلب على مدخرات الذهب. وقد أبدى رئيس الجمعية استغرابه أن يزداد الطلب إلى نحو 4 كيلو ذهب يومياً، 65% منها ليرات ذهبية وأونصات، في وقتٍ ترتفع فيه أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، عالمياً. إذ عادةً يزداد الطلب على الذهب حينما ينخفض سعره، وليس العكس.

بطبيعة الحال، لم يشر رئيس الجمعية إلى التفسير الذي يعرفه الجميع لهذا الإقبال على ذهب الإدخار، بوصفه ملاذاً آمناً، خشية المزيد من الانهيار في سعر صرف الليرة السورية، حتى لو كان ذلك يعني خسارة جانب من سعر الذهب الذي تم شراؤه. إذ تبقى تقلبات السعر العالمي للذهب حافظة للقيمة، أكثر من انهيارات سعر صرف الليرة.

انهياراتٍ دفعت متخصصين موالين إلى رفع الراية البيضاء في تفسير أسبابها. فيما دفعت آخرين إلى تقديم تفسيرات ونصائح “مؤلمة”. إذ لا يوجد تفسير مالي أو اقتصادي للانهيارات الأخيرة، وفق بعضهم. فيما ذهب آخرون نحو التفسير التقليدي -الطلب الشديد على العملة الصعبة- الذي بدوره يتطلب تفسيراً لهذا الزخم في هذا التوقيت بالذات.

في المقابل، قدّم متخصصون تفسيرات أخرى، غير تقليدية، أبرزها، ازدياد الكتلة النقدية من الليرة في الأسواق، بعد منحة الأسد للموظفين في نهاية رمضان، وازدياد حجم الحوالات بمناسبة العيد. ودفعَ هذا التفسير خبيراً موالياً للدعوة إلى سياسة نقدية انكماشية أكثر صرامة. رغم أن المركزي السوري لا تنقصه هكذا نصائح، إذ أن إتباعه لسياسة لمّ الليرة من السوق، بغية تحسين سعر صرفها، عل مدار السنتين الأخيرتين، ولّدت ركوداً اقتصادياً، لطالما اشتكى منه العاملون في قطاع الأعمال السوري، بحيث أصبحت حماية سعر الصرف غاية، على حساب الاقتصاد ومعيشة السوريين، بدلاً من أن تكون وسيلة نقدية لتحقيق أهداف اقتصادية.

لكن للأمانة البحثية، لم يختبئ جميع المتخصصين الموالين وراء أصابعهم، وأشار بعضهم إلى السبب الذي جعل اتساع السيولة النقدية ينعكس انهياراً في سعر الصرف، رغم أن المنحة التي صرفها الأسد، بقيمة 150 ألف ليرة للموظف (نحو 19.60 دولاراً وفق أسعار الصرف قبيل العيد)، لا تغطي 10% من الحد الأدنى لتكلفة معيشة أسرة من خمسة أفراد في مناطق سيطرة النظام. إذ أن سياسة المركزي وحكومة النظام القائمة على الحد من الاستيراد وتقييده قدر المستطاع، لحماية سعر صرف الليرة، انعكس شحاً في السلع المتاحة في الأسواق. ومع توفر سيولة نقدية أكبر من المعتاد، بين أيدي شرائح كبيرة من السوريين، جراء المنحة، والحوالات المُسلّمة بالليرة، حصلت هجمة استهلاكية، أدت إلى ارتفاع الأسعار، وانخفاض القوة الشرائية لليرة. إلى جانب ذلك، فإن تقييد الاستيراد، دفع تجاراً لاستخدام الفائض من السيولة المتاح بين أيديهم، في المضاربة على الدولار والليرة، بدلاً من النشاط التجاري، الذي بات مقيَّداً للغاية من جانب سلطات النظام. وهو ما يذكّرنا بتحذير وزيرة الاقتصاد السابقة، لمياء عاصي، قبل أسابيع، من أن الفائض بالقطع الأجنبي المتأتي من ازدياد الحوالات بمناسبة رمضان والعيد، يجب توجيهه لدعم المستوردات، وليس للإدخار لدى المركزي، أو المضاربة والتداول في السوق السوداء.

وفي خضم فوضى تفسيرات انهيار الليرة الأخير، ذهبت بعض التحليلات إلى أن “التراجع النسبي في تصدير المخدرات” قد يكون السبب، في ظل سعي النظام للتصالح مع السعودية. وهو تحليل لا تدعمه التطورات بهذا الخصوص. إذ ضبطت السعودية خلال الشهر الأخير نحو 26 مليون حبة كبتاغون في خمس شحنات ضخمة، على الأقل. كما أن تصريحات وزير الخارجية الأردني، الأخيرة، التي لوح فيها بعمل عسكري داخل الأراضي السورية، لوقف تهريب المخدرات، لا تشي بتعاونٍ من جانب النظام، في هذا الملف.

ومن بين كل التفسيرات الممكنة التي تقف وراء هذا المسار الهابط الدراماتيكي في سعر صرف الليرة، يبقى تراجع نسبة الحوالات، التفسير الأكثر معقولية. فخلال الأسابيع التي تلت الزلزال، ووفق تقديرات وسطية، دخل سوريا نحو 300 مليون دولار، كحوالات من أفراد ومساعدات مالية من دول. ومن ثم، جاء رمضان والعيد، الذي دخل خلاله نحو 300 مليون دولار أخرى.

لكن مسببات الحوالات الاستثنائية انتهت. فلا زلزال يحث، ولا صيام وعيد يحرّض، على التحويل. وهكذا نستطيع أن نتوقع أن حجم الحوالات اليومية هوى إلى أقل من النصف. ومع حجم حوالات استثنائي (مضاعف)، كان يصل إلى نحو 10 مليون دولار يومياً، كان سعر صرف الليرة يراوح مكانه، بصعوبة. والآن، ومع تراجع الحوالات إلى النصف، فالمتوقع أن سعر صرف الليرة سيواصل انهياره نحو قاع الـ 10 آلاف ليرة، قبل حتى أن يلجمه موسم حوالات عيد الأضحى القادم بعد نحو شهر ونصف الشهر. إلا إذا تمخضت مساعي التقارب الأسدي – العربي عن وديعة مالية خليجية في البنك المركزي، كما تمنى أكثر من مراقب موالٍ للنظام. وهو أمر، لا توجد أي مؤشرات تدعمه حتى ساعة كتابة هذه السطور.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا