لواء القدس “السوري” بين إيران وروسيا هل يدخل لعبة إسرائيل؟

استهداف لواء القدس الفلسطيني، في الثامن من شهر نيسان الجاري مواقع القوات الإسرائيلية الموجودة في الجولان السوري المحتل بعدة صواريخ، انطلاقاً من الأراضي السورية، سقط بعضها في الجولان المحتل وبعضها في الأراضي الأردنية، أعاد هذا الاستهداف الحديث من جديد عن طبيعة المواجهة بين إيران وإسرائيل، نظراً لكون لواء القدس الذي تم تشكيله في العام 2013 من قبل المخابرات الجوية في حلب لم ينخرط في أي عمل ضد إسرائيل، وإنما تم تأسيسه لقتال فصائل الثورة، رغم أن ولاءه لإيران، بل يتلقى أوامر نشاطاته وتحركاته من طهران بشكل مباشر.

وعلى الرغم أن خريطة الأهداف الإسرائيلية خلال السنوات السابقة تشير إلى أن المستهدف على الدوام كانت تجمعات الميليشيات الإيرانية التي تشرف على القواعد الصاروخية لإيران، إضافة إلى المنشآت العسكرية التي تحاول إيران إنشاءها سرّاً داخل الأراضي السورية، وربما أيضاً طال القصف الإسرائيلي شحنات إيرانية عابرة تحاول الدخول إلى الموانئ السورية أو عبر الحدود البرية، محمّلة بمواد ذات صلة بالتسليح الصاروخي لإيران.

إلا أن دائرة القصف الإسرائيلي لم تستهدف بشكل مباشر لواء القدس الفلسطيني، ما يثير أكثر من تساؤل حول هذا التصعيد الإيراني من خلال أذرعها الفلسطينية، سواء من جنوب لبنان أو من جبهة الجولان، خاصة أنه يتزامن مع وجود أزمة سياسية داخل إسرائيل أفضت إلى احتجاجات شعبية عارمة بسبب إجراءات حكومة نتنياهو لتعديل النظام القضائي لإسرائيل، الأمر الذي جعل البعض يذهب في تفسير هذا التصعيد والتحرش الإيراني غير المسبوق على أنه عملية تخادم بين طهران وتل أبيب يرسم الطرفان من خلاله حدود تلك العملية، بحيث لا تتعدى ما هو محدد لها.

فمن المعروف أن الجبهة السورية مع إسرائيل هادئة منذ خمسة عقود ولم تشهد إطلاق رصاصة واحدة باتجاه الكيان الصهيوني، بل على العكس لطالما تعرضت منشآت النظام وقواعده العسكرية، ومواقع الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له في سوريا لألاف الاستهدافات والغارات الجوية، وصلت مؤخراً إلى عمق الأراضي الإيرانية من خلال استهداف منشأة عسكرية في مدينة أصفهان، ومع ذلك بقي النظامان الإيراني والسوري يحتفظان إلى يومنا هذا بـ (حق الرد في المكان والزمان المناسبين) فهل حقاً هو تخادم، أم أنه صراع مفتوح بين الطرفين لا يخضع لأي نوع من أنواع التنسيق سواء المباشر أو غير المباشر؟

يمكن التأكيد على أن طبيعة المواجهة بين طهران وتل أبيب عبر عقود من الزمن، تفصح بوضوح أن الطرفين هما خصمان خصومة حقيقية وليست مفتعلة، والإقرار بذلك يجنّبنا الركون إلى التفكير داخل إطار نظرية المؤامرة، ولكن يجب التأكيد في الوقت ذاته على أن جذر تلك الخصومة لا يستند إلى عداء وجودي كما يدعي آخرون، وإنما يتقوّم على أنه صراع حول حجم وطبيعة النفوذ الذي يزاحم كلٌّ منهما الآخر على حيازة القسم الأكبر منه، ولعل هذا الشكل من الخصومة يجعل كلا الطرفين يوافق الآخر على أن تكون المواجهات بينهما قائمة خارج إسرائيل وإيران معاً.

وبالفعل لم يعرف تاريخ المواجهات بين الطرفين أن إيران قد شهدت استهدافاً عسكرياً مباشراً من إسرائيل، حتى القصف الإسرائيلي لملحقات إيران داخل الأراضي السورية لم يكن يستهدف الوجود الإيراني على العموم، بل يكتفي باستهداف المجموعات التي تحاول تجاوز الخطوط الحمر المتفق عليها، والأمر ذاته يمكن أن يقال عن إيران، إذ على الرغم من الوعيد الإيراني بمحو إسرائيل، لم تتعرض تل أبيب لأي استهداف مباشر منذ مجيء الخميني إلى السلطة عام 1979، ما يؤكد تماماً أن المعركة بين الطرفين هي مواجهة سياسية مزمنة ولكنها ليست عصية على الحل، إلّا أن كلا الطرفين لا يرى أن الوصول إلى حل سياسي بينهما يمكن أن يفي بحجم المصالح التي يتطلع إليها كلا الطرفين.

والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق هذا التصعيد المفتعل، ما المغزى من اختيار لواء القدس للقيام بقصف شمال إسرائيل من الجبهة السورية، ولماذا لم يتم تكليف فصائل فلسطينية أخرى تابعة للنظام ولديها وجود عسكري في الأراضي السورية؟

ربما لا نبالغ إذا قلنا إن النظام السوري يتحسب لمرحلة تسوية معلنة مع إسرائيل، والتي تفرض عليه تفكيك تلك الفصائل المعروفة في الأوساط الفلسطينية، وذات الوجود القديم في سوريا، وبالتالي عدم إعطائها فرصة تقوية دورها ونفوذها، ما جعله يلجأ إلى أحد أدواته المباشرة التي لا تضعه أمام أي حرج في حال أقدم على تلك التسوية.

ولعله من دواعي استخدام لواء القدس في قصف المواقع الإسرائيلية في الجولان، أنه أصبح في الآونة الأخيرة مدعوما بشكل مباشر من قبل القوات الروسية، بل يعتبر من ضمن تشكيلات الفيلق الخامس، ويتلقى أوامره من قاعدة حميميم، ما يعني أنه قد تكون هناك أيضاً رسائل روسية لإسرائيل في ظل وجود خلافات وتباينات بين الطرفين بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وانزعاج بوتين من رفض حكومة نتنياهو لهذه الحرب، واتخاذها موقفا معلنا داعما لأوكرانيا.

في ضوء ذلك يمكن الذهاب إلى أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي، ما يزالان منهمكين في إدارة المعركة أو الصراع خارج بلديهما، وبآليات وأساليب مختلفة، وفي الوقت الذي تجد فيه إيران أن أوراقها الأقوى في هذا الصراع تتجسّد بوجود أذرعها المطواعة في سوريا والعراق ولبنان واليمن وقطاع غزة، فإن إسرائيل لا ترى هي الأخرى أي حرج من استهداف تلك الأذرع وهي في حالة اطمئنان كامل أن المعركة لن تطول أمن مواطنيها أولاً، ولا تجد في وجود نظام الأسد وحليفه الروسي في سوريا ما يمنعها من استمرار إدارتها للمواجهة مع إيران بهذه الطريقة.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا