مات داعش عاش داعش

لم تعد كذبة القضاء على داعش تقنع أحداً أو تنطلي على أحد. لقد سبق للأطراف المعنية كلها أن أعلنت عن موت التنظيم الإرهابي في أوقات مختلفة وبالأخص بعد تحرير الموصل شمال العراق عام 2017. غير أن تلك الأخبار لم تكن صحيحة، بل أنها فُبركت من أجل أن تكون بمثابة سخرية من الآخرين الذين كُتب عليهم أن يصدقوا الأخبار باعتبارهم مجرد مواد لحروب داعش التي تم اختراعها في إطار الربيع العربي من أجل أن تعم الفوضى.

“داعش شركة أمنية” تلك جملة صار يرددها الكثيرون وبالأخص بعد أن تكرر ظهورها كما لو أنها تنبعث من فراغ. لقد تبين لهم أنه ليس من مصلحة القوى المعنية بالإرهاب الدولي أن يختفي داعش. ميليشيا مسلحة يمكن إحياؤها في أي وقت تحتاج فيه تلك القوى إلى استمرار الشعور بالخوف. لقد تم استهلاك الهدف العقائدي لداعش بعد أن تبين أن الدولة الإسلامية في العراق والشام هي مجرد فزاعة يُراد منها ممارسة أكثر عنف ممكن ضد سكان المدن ذات الأغلبية السنية في العراق وسوريا. داعش لم يقتل شيعيا واحدا وإن حدث ذلك فعن طريق الخطأ. ربما يدخل ذلك في إطار الرعب الطائفي المتبادل.

لا ترى إيران ضررا في أن يقتل تنظيم داعش عراقيين. سنة أو شيعة لا فرق. المهم بالنسبة إليها أن تظل أجندتها قائمة. ولأن القضاء العراقي اكتشف أن هناك ضباطا عراقيين يبيعون أحدث الأسلحة إلى الحشد الشعبي فإن تلك مناسبة للتذكير بأهمية بقاء الحشد باعتباره القوة التي تضمن حماية العراق التي هي عبارة عن شعار طائفي لم يكن تنظيم داعش إلا واحدا من أدواته. داعش يقتل العراقيين والسوريين لأهداف لا علاقة لها بوهم الدولة الإسلامية. هناك قوى استخبارية تتعاون في ما بينها هي التي تخطط لذلك وهي المستفيدة من ذلك وليس مستبعدا أن تتعاون إيران مع الولايات المتحدة في إنعاش داعش كلما أفل نجمه. لم تعد تلك الفكرة صادمة لأحد.

ولكن التنظيم الإرهابي صار جزءا أساسيا من المشهد. لا تكتمل الصورة من غير داعش. لا تملك الحكومات المحلية (حكومة الكاظمي في بغداد أو حكومة الأسد في دمشق أو حتى حكومة بارزاني في أربيل) أن تعترف بحقيقة ما يجري من حولها. بل هي تعرف أنها ممنوعة من السؤال بحثا عن تلك الحقيقة. كل المعلومات التي تمكنت من جمعها أجهزة المخابرات في الدول المصابة بداء داعش غير مسموح تداولها ثنائيا كما يُمنع تسريبها إلى وسائل الإعلام خوفا من سخرية الرأي العام.

ولأن المأساة أكبر من أن يتم اختصارها بلعبة غير سوية وعبثية المحتوى فإن محاولات إيقافها تصطدم بجدار القوى التي تنسق من خلال اتفاقاتها السرية ما تعجز عن القيام به باتفاقاتها العلنية الفاشلة. فليس داعش هو العصا التي تلوح بها الولايات المتحدة في وجه إيران وليس هو المكيدة الماكرة التي تقود إيران من خلالها الولايات المتحدة إلى فخها. داعش هو ممر يصل إيران بالولايات المتحدة. وإن كنتَ تبحث عن ثمرة للتعاون الإيراني – الأميركي فإن داعش هو تلك الثمرة.

ولكن الثمن الذي دفعته الشعوب بسبب ذلك التعاون كان باهظا. ذهبت إنسانيتها إلى فراغ دموي تحت مظلة الدين واختفى تاريخها حين تمت سرقة آثارها. أما ما تعذر سرقته من تلك الآثار فقد تم هدمه ولم يتدخل المجتمع الدولي لمنع ذلك. هل رغبت الولايات المتحدة التي كان جنودها قريبين من مواقع تدمير الآثار الآشورية في نينوى أن تلقن الشعب العراقي درسا؟ أفهم أن الإيرانيين يكرهون العراق العربي بكل تاريخه ولكن ما معنى الدرس الأميركي؟

في ذلك المجال تشكل السياسة الأميركية فضيحة لا يمكن التستر عليها. أهناك رغبة في أن تفقد الشعوب أي أثر يعينها على التعرف على ماضيها؟ هناك كراهية عمياء للتاريخ. صار داعش مجرد أداة صماء للوصول إلى لحظة نهاية التاريخ. في إطار ذلك الواقع فإن فرق الموت التي يمثلها داعش هي حاجة أميركية – إيرانية مشتركة. ينشط داعش في الأوقات التي تنسجم مع تلك الحاجة.

هل علينا أن نذكر بالحافلات المبردة التي تعود إلى حزب الله والتي نقلت أفرادا من داعش من البقاع اللبنانية إلى الحدود العراقية – السورية؟

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإيران لا تختلف الحاجة إلى داعش عن الحاجة إلى الحشد الشعبي أو حزب الله أو الحوثيين. الفوضى هي المطلوبة.

المصدر صحيفة العرب


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا